سهيلة عبد الباعث الترجمان
372
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وإذا كنا نوافق رأيه بأنه ليس ثمة خلق من عدم ، فذلك لأنه ردّ الأمر جميعه إلى الرحمة التي بها تم وجود كل شيء ، ويعني بها منح الوجود من اللّه لأيّ موجود لقوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ « 1 » فقد ضمنها كل الموجودات حيث أن رحمة اللّه وسعت كل شيء وجودا وحكما فقال : " ولما كان لكل عين وجود يطلبه من اللّه الذي عمّت رحمته كل عين ، فإنه برحمته التي رحمه بها قبل رغبته في وجود عينه فأوجدها ، فلذلك قلنا إن رحمة اللّه وسعت كل شيء وجودا وحكما " « 2 » . فرحمة اللّه في الأكوان سارية * وفي الذوات وفي الأعيان جارية مكاة الرحمة المثلى إذ علمت * من الشهود مع الأفكار عالية « 3 » وجملة القول أن ابن عربي قد جعل الرحمة مصدرا لهذا الإيجاد ، وهذا يتنافى مع القول بالخلق من العدم المطلق ، ولذا كانت إشارته إلى العدم بمعنى نسبي ، وقد حدد هذا العدم بمفهومه الخاص والعام فقال : " اللّه تعالى أخرجنا من ظلمات العدم إلى نور الوجود ، فكنا نورا بإذن ربنا إلى صراط العزيز الحميد " « 4 » . فما طبيعة هذا الوجود الذي أخرجنا إليه هل هو قديم أو محدث ؟ وما حقيقة الأعيان الثابتة في العلم الإلهي ؟ وما مدى مشاركتها لقدم الذات ؟ وهل هي محدثة أم قديمة ؟ . ثالثا : الحدوث والقدم ( القول بالأعيان الثابتة ) : يفرّق ابن عربي بين الحدوث والقدم ، فكل موجود إما أن يكون محدثا وهو ما يعني به الخلق ، وإما غير محدث وهو ما يعني به الحق أو الخالق ، فإذا كان الخلق له صفة الحدوث فإن الخالق ينفرد بصفة القدم إذ كان ولا شيء معه ، وقد أشار الجنيد إلى هذا الأمر مبينا صلته بالتوحيد ومميزا للحادث من القديم فقال : " التوحيد إفراد الحدوث عن القدم " « 5 » فبيّن أن التوحيد إنما ميز بين القديم والمحدث ، وبين الخالق والمخلوق إذ
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 156 ك . ( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص الزكراوي ، ص 177 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 177 . ( 4 ) سورة إبراهيم ، الآية : 1 ك ، والآية تقول : لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ . ( 5 ) ابن تيمية ، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، القاهرة ، 1349 ه / ص 88 .